محمد جواد مغنية

119

علم أصول الفقه في ثوبه الجديد

[ المقدمات الخمس حول الترتب على نهج النائيني ] وقد تحدث النائيني حول الترتب ، وأولاه المزيد من الاهتمام والعناية ، وقال فيه الكثير كمدافع عنه في خمس مقدمات بلغت ثلاثين صفحة أو أكثر ، وأمضيت مع طلاسمها أمدا غير قصير ، ثم اخترت من كل مقدمة ما هو ألصق بالترتب وأنفع ، وذكرت ما اخترت أيضا في مقدمات خمس تماما على نهج النائيني وترتيبه لدرجاتها . المقدمة الأولى إذا ورد في الشرع خطابان يؤديان في النهاية إلى إيجاب الجمع بين الضدين ، وتكليف الانسان بما لا يطاق ، إذا كان الأمر كذلك نظرنا إلى السبب الموجب لهذه النهاية المستحيلة ، فإن كان السبب فعلية الخطابين لا إطلاقهما وظهورهما - فالواجب واحد لا بعينه إلا أن تكون مصلحة أحدهما أقوى وأهم فيتعين . وقيل : إذا كانت مصلحة الاثنين بمنزلة سواء يسقطان معا ! وليس هذا بسديد بعد أن كان في كل من الخطابين مصلحة كافية لوجوبه ولولا المزاحمة الطارئة العارضة لوجبت طاعته وامتثاله كما هو الفرض ، وليس من شك ان محذور التكليف بالمحال يرتفع بالتخيير والعمل بأحدهما ، وهو خير من طرحهما معا ، لأن الضرورة تقدر بقدرها ، ولا يجوز الاسترسال في طرح الخطابات الشرعية أكثر مما تدعو اليه الحاجة والضرورة . وتسأل : ما معنى فعلية الخطاب ؟ الجواب : معناه أن التكليف جامع لكل الشروط التي توجب العمل به ، وانه لا مبرر لتأويل ظاهر الدليل الدال عليه وصرفه عنه إلى غيره . هذا إذا كان السبب للتكليف بالمحال هو تنجيز التكليف بالفعل ، أما إذا كان السبب مجرد ظهور الخطابين وشموله لمورد كل من الضدين فيجب عندئذ التصرف بظاهر أحدهما وتقييده بترك الآخر على سبيل التخيير ان استوى الاثنان في المصلحة والأهمية ، وان كانت مصلحة أحدهما أقوى وأهم وجب تقييد المهم وحده بترك الأهم وعصيانه . هذا هو بالذات معنى الترتب الذي لا يستلزم إيجاب الجمع بين الضدين ، والتكليف بالمحال . وفيما سبق قدمنا أكثر من مثال على الترتب ، ويأتي أيضا في المقدمة التالية وغيرها .